شهداء الكوميرا..قصة انتفاضة ووجهت بالرصاص الحي

في 20 يونيو من سنة 1981، ستعرف مدينة الدار البيضاء وللمرة الثانية منذ استقلال المغرب نزول الجيش المغربي إلى الشوارع، وذلك بعدما سبق له أن تدخل بعنف لقمع احتجاجات 23 مارس 1965.

قبل الاحتجاجات

شهدت بداية الثمانينات هجرة كثيفة من القرى نحو المدن، وساهم ذلك في تعميق الأزمة الخانقة التي كان يمر منها الاقتصاد المغربي الذي كان يعاني أساسا من تراجع مداخيل الفوسفاط بعد انخفاض مبيعاته في السوق العالمي.

وبالتزامن مع هذا الوضع عممت وكالة المغرب العربي للأنباء قصاصة إخبارية قالت فيها إن الحكومة المغربية تعتزم فرض زيادات مرتفعة في كل المواد الأساسية: الدقيق 40%، السكر 50%، الزيت 28%، الحليب 14%، الزبدة 76%، وذلك مباشرة بعد زيادات أخرى كانت على التوالي في سنتي 1979 و1980.

وأمام المعارضة القوية التي قوبل بها القرار، تحجج المسؤولون آنذاك بالظرفية العالمية، وحالة ميزانية الدولة، وأن هذه الزيادات ضرورية لإنقاذ البلاد. وأصرت الحكومة التي كان يقودها آنذاك الراحل المعطي بوعبيد على تطبيق القرار، وهو ما جعل المكتب التنفيذي للكونفدرالية المغربية للشغل يدعو لإضراب عام.

قمع وقتلى واعتقالات

رغم ذلك قررت الحكومة السير إلى الأمام وعدم التراجع عن قرارها، بل وردت على الدعوة إلى الإضراب العام باعتقال الكاتب العام للكونفدرالية الديمقراطية للشغل محمد نوبير الأموي ومعه بعض أعضاء المكتب التنفيذي. كما شنت حملة من الاعتقالات في صفوف المناضلين النقابيين، وزجت بهم في مخافر الشرطة، الأمر الذي زاد البلاد توترا وأدى إلى انفجار شعبي، فاق التوقعات.

وبعد الاستجابة الواسعة لدعوة الإضراب خصوصا بمدينة الدار البيضاء، تدخلت قوات الأمن لإفشاله بمواجهة وتشتيت التجمعات خلال يوم الإضراب، مما أدى إلى اندلاع مظاهرات شعبية في مختلف الأحياء الشعبية بالمدينة تدخلت على أثرها عناصر الجيش وواجهت تلك الاحتجاجات بالرصاص الحي والاعتقالات.

وخلال هذه الأحداث سقط العديد من القتلى والجرحى الذين اشتهروا فيما بعد باسم “شهداء الكوميرا”، وهو اسم أطلقه وزير الداخلية القوي آنذاك ادريس البصري على الضحايا استهزاء بهم.

استمر الاحتقان خلال اليوم الموالي، وفرضت قوات الأمن والجيش طوقا بالدبابات والسيارات العسكرية على كافة أحياء الدار البيضاء.

أعداد الضحايا                                                  

تضاربت المعطيات بخصوص عدد الضحايا، وقالت السلطات المغربية آنذاك أنهم لم يتجاوزوا 66 قتيلا و110 جرحى، في حين ذكرت هيئة الإنصاف والمصالحة  أن العدد بلغ 114 قتيلا، أما المعارضة، ممثلة أساسا في حينه بحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فأشارت إلى أن العدد بلغ حدود 600 قتيل وخمسة آلاف جريح، فيما ذهبت جمعيات حقوقية مغربية أخرى إلى أن الرقم يتجاوز الألف قتيل.

وإضافة إلى سقوط عدد كبير من الضحايا والمعتقلين شنت السلطات حملة اعتقالات واسعة في صفوف أحزاب المعارضة والنقابات وكذا عدد من المشاركين في الاحتجاجات شملت حسب المعارضة حوالي 26 ألف معتقل، في حين حصرت السلطات عدد المعتقلين في 500 شخص، كما تم منع صدور صحيفتي “المحرر” باللغة العربية و”لبيراسيون” باللغة الفرنسية التابعتين لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.

وأجبرت هذه الأحداث الحكومة على التراجع عن قرارها، وخرجت ببيان رسمي حملت فيه مسؤولية ما وقع لأحزاب المعارضة، وبررت تدخلها العنيف في حق المتظاهرين بوجود عناصر متآمرة من الخارج تحاول التشويش على لقاء للمغرب في مؤتمر بنيروبي حول قضية الصحراء الغربية.

وبعد مرور سنوات عملت هيئة الإنصاف والمصالحة التي تأسست سنة 2004 على تحديد قبور الضحايا في المقابر السرية بناء على تحريات اعتمدت فيها على محاضر الشرطة وتقارير المنظمات الحقوقية وسجلات وزارة الصحة.

وفي 5 شتنبر من سنة 2016 افتتحت مقبرة رسمية للضحايا بحضور مسؤولين حكوميين وشخصيات حقوقية ومدنية وعائلات بعض الضحايا.




المصدر

زر الذهاب إلى الأعلى