في خضم مسار سياسي وإداري طويل اتسم بالكفاءة والانضباط، تبرز زينب العدوي كواحدة من أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ المغرب المعاصر. فهي ليست فقط أول امرأة تتولى رئاسة المجلس الأعلى للحسابات، بل أيضًا واحدة من الوجوه التي أسهمت بفعالية في ترسيخ مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية والمحاسبة في تدبير الشأن العام. فمن هي زينب العدوي؟ وما الذي يجعلها شخصية مثيرة للاهتمام على المستويين الإداري والوطني؟
نشأة زينب العدوي وتعليمها
ولدت زينب العدوي سنة 1960 بمدينة الجديدة، على الساحل الأطلسي المغربي. تنحدر من أصول أمازيغية، ما جعلها جزءًا من التنوّع الثقافي الذي يميز النخبة المغربية. حصلت على دبلوم الدراسات المعمقة في العلوم الاقتصادية، وهو الأساس العلمي الذي أهلها لولوج عالم الرقابة المالية والإدارية بكفاءة مبكرة.
مسار إداري حافل
أول قاضية للحسابات في المغرب
في سنة 1984، سُجل اسم زينب العدوي في تاريخ المغرب كأول امرأة تتقلد منصب قاضية في المجلس الأعلى للحسابات. ومنذ تلك اللحظة، بدأت العدوي في كسر الحواجز التي لطالما حالت دون وصول النساء إلى مناصب القرار العليا.
رئيسة المجلس الجهوي للحسابات بالرباط
في عام 2004، تم تعيينها على رأس المجلس الجهوي للحسابات بالرباط، حيث أظهرت براعة كبيرة في التدقيق ومراقبة التدبير المالي المحلي، مما أكسبها سمعة قوية في الأوساط الإدارية والرقابية.
من والٍ إلى المفتشية العامة للإدارة الترابية
توالت التعيينات الملكية التي حظيت بها زينب العدوي، حيث عُينت والية على جهة الغرب الشراردة بني حسن عام 2014، ثم على جهة سوس ماسة في 2015. وفي 25 يونيو 2017، أصبحت والية مفتشة عامة للإدارة الترابية بوزارة الداخلية، وهو منصب حساس يدل على حجم الثقة التي وضعت فيها لمراقبة العمل الإداري المحلي بمختلف جهات المملكة.
تعيينها رئيسة للمجلس الأعلى للحسابات
في 22 مارس 2021، عيّنها جلالة الملك محمد السادس رئيسة أولى للمجلس الأعلى للحسابات، لتصبح بذلك أول امرأة تتولى هذا المنصب منذ تأسيس المؤسسة سنة 1979. وخلال هذا التعيين، شدد الملك على أهمية دور المجلس في مراقبة المالية العمومية وتعزيز مبادئ الحكامة الجيدة والشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة.
صرامة في الأداء ومواقف إنسانية لافتة
تعرف زينب العدوي بصرامتها في تطبيق القانون ومحاسبة المسؤولين، لكنها لا تخلو من بعد إنساني يتجلى في مواقفها. ففي أحد اللقاءات، روت بتأثر قصة سيدة كانت تسرق الورود من الشارع العام، وكيف تعاملت معها بتوجيه وإرشاد بدلاً من العقاب، مما يعكس توازنًا بين الحزم والرحمة في أداء مهامها.
انتقادات ترافق النجاح
ورغم إنجازاتها الكبيرة، لم تسلم العدوي من الانتقادات، سواء بسبب طريقة إدارتها لبعض الملفات، أو لقرارات اعتُبرت صارمة للغاية، مثل قضية خادمتها سنة 2014، والتي أثارت جدلًا كبيرًا في الإعلام الوطني. كما أن بعض الأصوات اعتبرت أن أداءها في المفتشية العامة بوزارة الداخلية لم يرق إلى سقف التوقعات الاستراتيجية المرجوة.
التزاماتها بالقيم الدستورية والرقابية
من خلال تقارير المجلس الأعلى للحسابات، أثبتت زينب العدوي التزامها العميق بالمسؤولية الرقابية، حيث شملت تقاريرها قطاعات وزارية ومؤسسات عمومية كبرى، مع الإشارة الصريحة للاختلالات ومنح المعنيين حق الرد. كما دعت إلى تعاون مؤسساتي أكثر نجاعة مع رئاسة النيابة العامة والمجلس الأعلى للسلطة القضائية.
الجوائز والتكريمات
من بين التكريمات التي حصلت عليها، وسام المكافأة الوطنية من درجة ضابط كبير سنة 2013، تكريمًا لمساهماتها في تطوير الإدارة العمومية بالمغرب.
حياة شخصية هادئة ومثمرة
زينب العدوي متزوجة وأم لطفلين. وبالرغم من مسؤولياتها الكبيرة، تُعرف بانضباطها الشديد وتواضعها في الحياة اليومية، ما يجعلها نموذجًا للمرأة المغربية التي تجمع بين الكفاءة المهنية والالتزام الأسري.
زينب العدوي: نموذج نسائي في زمن التغيير
تمثل زينب العدوي صورة حية للتغيير الذي يشهده المغرب في تمكين المرأة وإسناد مناصب القرار إليها. وبين من يرى فيها نموذجًا ناجحًا ومن ينتقد جوانب من أدائها، تظل العدوي رقمًا صعبًا في المعادلة الإدارية الوطنية، ووجهًا من الوجوه النسائية التي ستُخلَّد في ذاكرة الدولة المغربية الحديثة.




