الدكتور أنوار قورية – باحث في الاعلام والسياسات الدولية
لم يكن تقديم فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، لمشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام البرلمان مجرد عرض تقني لأرقام الموارد والنفقات، بل جاء بمثابة إعلان سياسي واضح بأن الدولة الاجتماعية لم تعد أفقا بعيدا، وإنما صارت العنوان الحقيقي للسياسة المالية للمملكة المغربية، فالخطاب حمل رسائل مطمئنة لفئات واسعة من المواطنين، وفي مقدمتهم المتقاعدون الذين ظلوا لسنوات ينتظرون التفاتة تعيد الاعتبار لمعاشات لم تعد تساير كلفة العيش.
ويبقى القرار الأبرز في هذا المشروع هو رفع الحد الأدنى للمعاشات إلى 1700 درهم ابتداء من يناير 2027، وهو إجراء لا تكمن قيمته في رقمه فقط، بل في الأفق الذي يرسمه، إذ يندرج ضمن توجه يروم الرفع التدريجي لهذا الحد نحو 3000 درهم مع نهاية الولاية الحكومية، إنها رؤية متدرجة ومحسوبة تنصف من أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن، وتؤكد أن كرامة المتقاعد جزء لا يتجزأ من كرامة المجتمع، وأن الإنصاف الاجتماعي لا يتحقق بالقرارات الظرفية بل بالالتزامات الممتدة في الزمن،
ولا يأتي هذا الإجراء معزولا عن سياقه، فمشروع قانون المالية 2027 يستند إلى أولويات واضحة، من بينها توطيد المكتسبات الاقتصادية، والتأهيل الشامل للمجالات الترابية وتدارك الفوارق الترابية والمجالية، ومواصلة ترسيخ ركائز الدولة الاجتماعية، إلى جانب استكمال الإصلاحات الهيكلية والحفاظ على توازنات المالية العمومية، وهي أولويات تنسجم مع التوجيهات الملكية السامية التي دعت إلى إطلاق دورة تنموية جديدة قوامها تحصين المكاسب ومواصلة المشاريع والإصلاحات الكبرى، بما يجعل البعد الاجتماعي خيارا استراتيجيا للدولة وليس مجرد بند في الميزانية، ومن مقومات هذه الدولة الاجتماعية أيضا حرص الحكومة على حماية القدرة الشرائية، إذ تم الإعلان في مرحلة إعداد المشروع عن مواصلة دعم أسعار غاز البوتان والسكر والدقيق الوطني بغلاف مالي يناهز 13.2 مليار درهم، مع الاستمرار في تنزيل برنامج الدعم المباشر للسكن، والأهم أن هذا الطموح الاجتماعي يسير جنبا إلى جنب مع الانضباط المالي، حيث تراهن الحكومة على حصر عجز الميزانية في حدود 3 في المائة من الناتج الداخلي الخام وخفض المديونية العمومية إلى نحو 65 في المائة، وهي معادلة صعبة تثبت أن الإنفاق الاجتماعي يمكن أن يكون مسؤولا ومستداما في آن واحد.
إن ما حمله خطاب فوزي لقجع يؤكد مشروع قانون المالية لسنة 2027 ليس وثيقة محاسباتية جامدة، بل تعاقد اجتماعي متجدد بين الدولة والمواطن، عنوانه الإنصاف والتضامن والثقة في المستقبل، وفي انتظار استكمال المسطرة التشريعية والمصادقة النهائية عليه داخل البرلمان، يبقى الرهان الأكبر هو حسن التنزيل وسرعة الأثر، حتى يلمس المغاربة في حياتهم اليومية أن الدولة الاجتماعية لم تعد وعدا يرفع في الخطب، بل واقعا يكتب بلغة الأرقام والقرارات.

