منذ دخول صفقة السكرتارية الطبية حيز التنفيذ بجهة طنجة تطوان الحسيمة أواخر سنة 2024، بعد فوز شركة خاصة من الرباط بها، بدا للوهلة الأولى أن وزارة الصحة والحماية الاجتماعية تسعى إلى تحديث خدمات الاستقبال والإدارة داخل المؤسسات الصحية. غير أن الواقع الميداني سرعان ما كشف وجهًا آخر لهذه الصفقة التي تحوّلت إلى نقطة سوداء في تدبير الموارد البشرية داخل القطاع الصحي العمومي.
في مستشفيات كبرى ومراكز صحية بطنجة، يشتغل اليوم مئات المستخدمين ضمن صفقة السكرتارية الطبية في ظروف تفتقر لأدنى معايير المهنية، بعدما تم توظيفهم عبر شركة مناولة لا تضمن لهم الحد الأدنى من الحقوق الأساسية. يتقاضى هؤلاء المستخدمون أجورًا لا تتجاوز في حالات 2300 درهم شهريًا، دون أي تعويض عن المخاطر المهنية، كما يُرغمون على العمل بعقود محددة في الزمان والمكان.
وإلى حدود 16 أبريل 2025، لا يزال هؤلاء المستخدمون محرومين من أجورهم، رغم التزاماتهم الشهرية من مصاريف الكراء ومستلزماتهم الشخصية المرتبطة بالعمل. فكيف لمستخدمين في قطاع حيوي وحساس، أن يؤدوا مهامهم اليومية دون أن يعلموا متى سيتقاضون أجورهم؟ بل، دون حتى أن يكون لهم الحد الأدنى من الاستقرار المهني والمعيشي؟
الخط الأمامي بدون حماية.. ومخاطر مهنية جسيمة
ما يزيد من خطورة الوضع أن هؤلاء المستخدمين يشكّلون الواجهة الأولى للمرافق الصحية، حيث يستقبلون يوميًا مئات المرضى، من بينهم حالات استعجالية ومصابون بأمراض معدية، ما يعرّضهم مباشرة لخطر انتقال العدوى. ورغم هذه المخاطر، لا توفّر لهم الشركة المؤطرة أي وسائل حماية فعلية، ولا تتكفل الوزارة بضمان سلامتهم المهنية.
في غياب التأمين الصحي والتدريب الملائم والتغطية الاجتماعية الكاملة، يجد هؤلاء المستخدمون أنفسهم في وضع هش، بين ضغط العمل وتدني الأجور والخوف المستمر من الإصابة بالمرض، داخل قطاع يُفترض أن يكون نموذجًا في الكرامة والعدالة.
تفويت خطير أم خصخصة مقنّعة؟
صفقة السكرتارية تمثل نموذجًا لما يعتبره العديد من المهنيين والنقابيين منعطفًا خطيرًا في سياسة وزارة الصحة، والتي تقوم على تفويت الخدمات العمومية إلى شركات خاصة. هذا التوجه يؤدي إلى تفكيك تدريجي للوظيفة العمومية داخل القطاع، وتعويضها بمستخدمين متعاقدين خارج أي إطار قانوني مستقر.
وفي ظل غياب آليات المراقبة والمحاسبة الصارمة، وعدم تتبّع مدى احترام الشركات لدفاتر التحملات، تتزايد المخاوف من أن هذا النموذج قد يفرغ المستشفيات العمومية من كفاءاتها، ويدفع المواطنين نحو القطاع الخاص بحثًا عن خدمات أفضل.
أين وزارة الصحة من كل هذا؟
المفترض أن تكون وزارة الصحة والحماية الاجتماعية، بصفتها صاحبة المشروع، حريصة على تتبّع تنفيذ الصفقة وضمان حقوق الأجراء وجودة الخدمات المقدمة. غير أن الوزارة التزمت الصمت منذ انطلاق الصفقة، ولم تُصدر أي موقف رسمي أو تتدخل لمعالجة التأخير في صرف الأجور أو سوء ظروف العمل.
وفي وقت ترتفع فيه أصوات الشغيلة الصحية مطالبة بوقف سياسة التعاقد، لا تزال الوزارة تتوسّع في هذا النموذج في عدة خدمات حساسة، رغم التجربة الفاشلة التي عرفها قطاع التعليم مع التوظيف بالتعاقد، والتي لا تزال الدولة والمجتمع يؤديان ثمنها.
الوزير الجديد.. مسؤولية ثقيلة وانتظارات كبيرة
مع تعيين أمين التهراوي وزيرًا جديدًا للصحة والحماية الاجتماعية خلفًا لخالد آيت الطالب، تتجه الأنظار إلى ما إذا كان الوزير سيعيد إنتاج نفس السياسات السابقة، أم أنه سيقود تحولًا حقيقيًا يعيد الاعتبار للمرفق العمومي ويوقف نزيف التعاقد والمناولة.
التهراوي يواجه منذ توليه المنصب ملفات ساخنة، من بينها احتجاجات المتصرفين، مطالب الممرضين، وملف المستخدمين المتعاقدين في الصفقات، الذين يشتغلون في غياب أي أفق مهني واضح، ما يعكس فشلًا مستمرًا في التخطيط البشري داخل القطاع الصحي.
المطلوب اليوم ليس فقط إلغاء الصفقات المشبوهة، بل إطلاق مراجعة شاملة لمنظومة التوظيف والتدبير داخل الوزارة، وترسيخ الوظيفة العمومية كأساس للعدالة والاستقرار والجودة في القطاع الصحي.
في الانتظار.. كرامة العاملين في الميزان
إلى حين ذلك، يبقى العاملون في السكرتارية الطبية بجهة طنجة تطوان الحسيمة ضحايا مباشرين لهذا الاختلال، وهم يواجهون المواطن يوميًا بابتسامة منهكة وبمستوى عالٍ من المسؤولية، دون أن يضمن لهم أحد الحد الأدنى من العيش الكريم.
وفي ظل الصمت الوزاري، وتراجع الدور النقابي أحيانًا، وغياب التغطية الإعلامية لهذا الملف، تبدو هذه الصفقة نموذجًا لما يجب تفاديه مستقبلًا، لا ما يُفترض أن يُعمم.




