في مشهدٍ يعكس تناقضًا صارخًا مع الوقائع التاريخية والقانون الدولي، استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون وزير الخارجية الفرنسي، في زيارةٍ حلّقت فوقها علامات استفهام حول الرسائل الخفية التي أرادت الجزائر بثّها، فخلف كرسي الرئاسة الجزائرية، تلوح خارطةٌ لأفريقيا تُمحو منها المملكة المغربية تماما، بينما تُرسم حدودُ “الصحراء المغربية” ككيانٍ منفصل في سيناريو يُجسّد الوهم الذي تبنيه الجزائر منذ عقود.
1- الخريطة التي تكشف أكثر مما تُخفي
اللوحة المُعلّقة في القصر الرئاسي خلف الرئيس تبون ليست مجرد ديكور، بل بيان سياسي مُتعمّد، ففي وقتٍ تعترف فيه الجمهورية الفرنسية، العضو الدائم في مجلس الأمن، بمغربية الصحراء، وتدعم المبادرة المغربية للحكم الذاتي تحت السيادة الوطنية، تُصرّ الجزائر على تزييف الجغرافيا والتاريخ، الخريطة ليست سوى استعارة لسياسةٍ خارجيةٍ تعيش في ماضي الحرب الباردة، تُقدّم فيها الجزائر نفسَها كـ”مناضلة” ضد الاستعمار، بينما تستعمرُ قرارها برؤيةٍ غير واقعية، تُجاهر برفضها لكل الحلول السلمية المدعومة أمميًا…
2- رسالة إلى فرنسا أم اعترافٌ بالعجز؟
زيارة وزير الخارجية الفرنسي، التي تأتي بعد أشهرٍ من اعتراف فرنسا الرسمي بمغربية الصحراء، كانت فرصةً للجزائر لتُظهر “تمسّكها” بموقفها، وكأنها تُعلن للعالم “إننا نعيش في عالمنا الموازي”… لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو هل يُمكن لدولةٍ تُعاني من أزماتٍ اقتصادية حادّة، وتوتراتٍ داخلية، وتدهورٍ في نفوذها الإقليمي، أن تُنافس خارطةً دبلوماسيةً تقودها المملكة المغربية بدعمٍ من 90% من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، بما فيها قوى كبرى مثل فرنسا والولايات المتحدة وألمانيا وإسبانيا؟ الجزائر، التي تتشدّق بالشرعية الدولية، تتجاهل عمدًا قرارات مجلس الأمن المتتالية التي تُؤيّد المبادرة المغربية، وتصنف النزاع حول الصحراء كقضيةٍ “تصفية استعمار” تمّت بحسب محكمة العدل الدولية عام 1975، بل إن دعمها المالي والعسكري المكشوف لعصابة البوليساريو، التي تُصنّفها العديد من التقارير الدولية كجماعةٍ تعتمد على تهريب السلاح والاتجار بالبشر، يُحوّلها من “وسيط” مزعوم إلى طرفٍ فاعل في النزاع.
3- لمن تُوجّه الجزائر رسائلها؟
الرسالة الموجهة لفرنسا، والتي تريد الجزائر تقديمها كـ”تحدٍّ” للقرارات الدولية، تظهر كصرخةٍ في وادٍ، فباريس، التي أنهت مرحلةَ اللعب على الحبلين، باتت تنظر إلى المغرب كشريكٍ استراتيجي في مجال الطاقة والأمن ومكافحة الهجرة غير النظامية، بينما تتراجع الجزائر إلى الخلف كدولةٍ تُعاني من عزلةٍ ذاتية، حتى الحليف التقليدي روسيا بدأ يتخلّى عن الخطاب الجزائري المُتشدّد، في مؤشرٍ على انكفاء النظام الجزائري داخل فقاعة ايديولوجية.
4- العبث بأسرار اللعبة الكبرى
الغباء الاستراتيجي لا يكمن في دعم البوليساريو فحسب، بل في إدارة الملف بطريقةٍ تُهدّد استقرار المنطقة بأكملها، فبينما تعمل المملكة المغربية على تعزيز التعاون الإقليمي عبر مشاريع ربط كهربائي واقتصادي مع أفريقيا وأوروبا، تُحوّل الجزائر الصحراء المغربية إلى ساحةٍ لتصدير الأزمات، بدلًا من أن تكون جسرًا للتكامل. والنتيجة؟ خسارة الجزائر لثقلها الدبلوماسي، وتآكل مصداقيتها كفاعلٍ إقليمي، في وقتٍ تُسيء فيه حتى إلى علاقاتها مع جيرانها الأفارقة.
إن الخارطة المزيفة على جدار القصر الرئاسي الجزائري ليست سوى رمزًا لسياسةٍ بلا بوصلة، فبينما يعيد المغرب رسم خارطة التعاون الإقليمي والدولي، تُصرّ الجزائر على العيش في وهم الخرائط المقطّعة، السؤال الذي ينتظر إجابة هو كم من الوقت سيستغرق النظام الجزائري ليدرك أن الجغرافيا لا تُزوّر، وأن التاريخ لا يرحم أولئك الذين يلعبون بأمن الشعوب طمعًا في ورقةٍ سياسيةٍ بالية؟




