في عالم تسوده لعبة المصالح الجيوسياسية، تظهر الجزائر كفاعلٍ استثنائي في منطقة المغرب الكبير وإفريقيا، تارةً بوصفها “قلعة المقاومة” ضد الاستعمار الجديد، وتارةً أخرى كدولةٍ تُعاني من إرثٍ ثقيل من المواجهات المتعددة الجبهات، من قطع العلاقات مع جيرانها مثل المملكة المغربية وإسبانيا وفرنسا، إلى تصعيد الخلافات مع دول الساحل مثل مالي والنيجر وبوركينافاصو، وصولاً إلى استفزاز الولايات المتحدة عبر دعم كياناتٍ مثيرة للجدل ستشكل موضوع مذكرة أممية لتصنيفها كجماعة إرهابية وفق القوانين الدولية، يبدو أن الجزائر تُكرر سيناريو الدول التي تحدت القوى الكبرى دون حساباتٍ دقيقة، فانتهت إلى العزلة أو التمزق، فهل تُجسد الجزائر نموذجًا جديدًا لـ”دولة تُحارب الجميع” في سباقٍ محفوف بالمخاطر؟
1- الديبلوماسية الجزائرية.. من “المبادئ” إلى الفوضى
تعتمد االرئاسة الجزائرية بمعية الكابرانات خطابًا قائمًا على اسطوانة الحقوق التاريخية و”دعم حركات التحرر”، وهو ما تجلى في دعم جبهة البوليساريو لنصف قرنٍ منذ سنة 1975 مع إسناد الولاية 75 من الجمهورية الجزائرية لعناصر العصابة الوهمية دون تحقيق انتصار حاسم، وفي تبني مواقف متصلبة تجاه الملفات الإقليمية مثل الصحراء المغربية، لكن هذا الخطاب اصطدم بواقعٍ جيوسياسي متقلب واجهته الجزائر بقطع العلاقات مع المملكة المغربية سنة (2021) بعدها إسبانيا سنة (2022) وبعدهما فرنسا (2023) لتصل اليوم الى عزلة إقليمية تنذر بالمجهول خصوصا مع قطع العلاقات مع (مالي، نيجر، بوركينافاصو)، وهو ما عزز انطباعًا كونيا بأن الجزائر تفضل العزلة على الحوار، حتى مع حلفاء تاريخيين… أما فيما يتعلق بالساحل الإفريقي فقد انتهت فلسفة الجزائر بتوصيف يمكن تلخيصه في “فاتورة بلا رصيد” خصوصا أن الكابرانات أنفقوا المليارات على دعم زعزعة استقرار دول الساحل ما أدى الى حدوث انقلابات عسكرية غيرت تحالفات المنطقة لتصبح الجزائر طرفًا غير مرغوب فيه في ملفات مثل مالي، بوركينافاصو والنيجر، بينما تتهم الجزائر بدعم جماعاتٍ مسلحة في الساحل حيث تُشير تقارير أممية إلى أن شبكات تهريب الأسلحة والهجرة غير الشرعية تزدهر على حدودها الجنوبية، مما يضعها تحت مجهر المجتمع الدولي…
2- أمريكا والبوليساريو.. لعبة النار والدمار
قرار إدارة ترامب الاعتراف بمغربية الصحراء (2020) وإعادة تأكيد الاعتراف (2025) كان صفعةً للجزائر، لكن رد فعلها مؤخرا عبر بلاغ دبلوماسي وصفه خبراء وباحثون بأنه خجول، كشف مفارقة دولة تدعي “القوة”، تتراجع أمام ضغوط واشنطن، اليوم، مع توجه الكونغرس الأمريكي لوضع تنظيم البوليساريو على قوائم الإرهاب، تواجه الجزائر خطرا وجوديا:
– الجزائر في مرمى العداء الأمريكي: تصنيف البوليساريو تنظيرًا إرهابيًا سيعزز سرديةً عن الجزائر كداعم للإرهاب، خاصةً مع تقارير عن تورط شبكات جزائرية في تمويل جماعات الساحل.
– مصيدة التاريخ: تُذكرنا هذه الأزمة بمصير دولٍ استفزت واشنطن دون تقدير العواقب: ليبيا (تمزقت بعد إسقاط القذافي)، العراق (غُزيت بدعوى أسلحة الدمار)، وحتى سوريا (التي تحولت إلى ساحة صراع دولي)، جميعها دخلت في مواجهة مع القطب الأوحد ولم تنجُ.
3- دروس الماضي… عندما يُصبح الاستفزاز انتحارًا
التاريخ لا يرحم من يُكرر أخطاءه، هناك نماذج دولية على دولة الجزائر أن تقتدي بها بدل الاستمرار في سياسة “الاستفزاز العشوائي”، فمثلا يوغوسلافيا التي تحولت من دولةٍ موحدة إلى دويلات متناحرة بعد تحدّيها المعسكر الغربي خلال الحرب الباردة. دولة فنزويلا التي استنزفتها العقوبات الأمريكية بعد مواجهة واشنطن، وفقدت نفوذها الإقليمي رغم ثرواتها النفطية. دولة السودان التي انقسمت إلى شمالٍ وجنوب بعد عقود من الحروب الأهلية التي غذّتها تدخلات خارجية… والعبرة من كل ما سبق أن الدول التي تتصارع مع الجميع دون استراتيجية أو حلفاء أقوياء تنتهي إما منقسمة، أو مُهينة، أو بلا هوية….
في الختام، هل تتعلم الجزائر من التاريخ أم تُعيده؟ الجزائر اليوم أمام مفترق طرق، عليها إما مراجعة سياستها الخارجية القائمة على المواجهة، أو الاستمرار في نهجٍ يضعها في عداء مع محيطها والعالم، هل يمكن للجزائر تحويل “مبدأ دعم الجماعات الوهمية التحررية” إلى أداة ديبلوماسية مرنة بدلًا من شعارٍ متصلب؟ هل تدرك النخبة الحاكمة أن دعم كياناتٍ هامشية مثل البوليساريو لن يُعيد أمجاد “ثورة التحرير”، بل سيدفع الثمن الشعب الجزائري؟ أخيرًا، هل ستُصبح الجزائر نموذجًا جديدًا لـ”دولة فاشلة” في السجل الأمريكي، أم ستنجح في تفادي مصير ليبيا والعراق؟ الجواب قد يُحدده قرارٌ واحد لا بديل عنه وهو التخلي عن “عقدة الخصومة” قبل فوات الأوان.




