ما إن حُسمت تزكية زكية الدريوش لخوض الاستحقاقات الانتخابية بجهة سوس ماسة، حتى ارتفع منسوب الانتقادات الموجهة إليها في فترة متقاربة. تتغير المنابر والمتحدثون، وتتبدل زوايا الخطاب، لكن المفردات تعود تقريبًا إلى العناوين نفسها: الصيد البحري، الرخص، الامتيازات، «الملايير»، علاقتها بالجهة، ثم أهليتها السياسية والانتخابية. والمثير هنا ليس وجود النقد، فذلك طبيعي في السياسة، وإنما توقيته والطريقة التي أعيد بها تقديم مسار مهني معروف منذ سنوات وكأنه اكتشاف جديد ظهر مع التزكية.
فالدريوش لم تدخل قطاع الصيد البحري مع اقتراب الانتخابات، ولم تبدأ معرفتها بملفات البحر والمهنيين والمستثمرين بعد اختيارها لخوض الاستحقاقات. هذا مسار سابق على اللحظة الانتخابية، وكانت الخبرة نفسها والعلاقات المهنية نفسها حاضرة عندما كانت الأحزاب تبحث عن أسماء قادرة على تعزيز مواقعها. لذلك، فإن السؤال الذي يستحق أن يسبق بقية الأسئلة ليس ماذا تغير في الدريوش، وإنما ماذا تغير حولها؟ والجواب السياسي الأول واضح: الذي تغير هو موقعها، من اسم قابل للدخول في حسابات الاستقطاب إلى منافسة حسمت وجهتها وأصبحت تحمل رصيدها المهني إلى صناديق الاقتراع.
من اسم مطلوب في حسابات الاستقطاب إلى منافسة يراد إضعاف رصيدها
قبل حسم المواقع، كانت الساحة السياسية تعرف تحركات بحثًا عن أسماء وكفاءات تستطيع منح اللوائح وزنًا إضافيًا، والدريوش، بخبرتها الطويلة في ملفات الصيد البحري، كانت تمتلك عناصر تجعل اسمها حاضرًا في مثل هذه الحسابات. فالمعرفة بالقطاع وفاعليه، والعلاقات المتراكمة مع المهنيين والبحارة والمتدخلين، والخبرة في ملفات الاستثمار البحري وتثمين المنتجات السمكية وتربية الأحياء المائية والاقتصاد الأزرق، كلها عناصر يمكن لأي حزب أن ينظر إليها باعتبارها رصيدًا، خصوصًا في جهة مثل سوس ماسة حيث يمثل البحر جزءًا مهمًا من النسيج الاقتصادي والاجتماعي.
لكن مرحلة الاستقطاب لا تستمر إلى الأبد. في لحظة معينة تُحسم المواقع، وعندها يصبح الاسم الذي كان مرغوبًا فيه منافسًا، وتصبح القوة التي كان يمكن الاستفادة منها داخل صفوفك قوة موجودة في الصف المقابل. وهنا تكمن إحدى المفارقات التي ينبغي أن يتوقف عندها القارئ: كيف تتحول الخبرة التي كانت مصدر قيمة إلى مصدر شبهة؟ وكيف تصبح شبكة العلاقات المهنية، التي تعد أمرًا طبيعيًا لمسؤولة قضت سنوات في قطاعها، مادة قابلة لإعادة التأويل بمجرد تغير الموقع السياسي لصاحبتها؟
لا يحتاج المقال إلى الحديث عن مؤامرة، ولا إلى الادعاء بأن جميع المنتقدين يتحركون بتوجيه واحد، لأن ذلك يحتاج بدوره إلى دليل. لكن عدم إطلاق الاتهامات لا يمنع قراءة السياسة كما تقع أمامنا. عندما تكون هناك مرحلة استقطاب، ثم تُحسم التزكية، ثم ترتفع بعدها حدة الخطابات التي تستهدف الرصيد نفسه الذي كان يمنح الاسم قيمته، يصبح التساؤل عن العلاقة بين المرحلتين مشروعًا. فالدريوش لم تتغير بين الأمس واليوم، وإنما تغيرت فائدتها السياسية بالنسبة إلى أطراف المنافسة.
ورقة الأربعة مليارات.. حين يصبح الرقم أكبر من الدليل
وسط هذا المناخ ظهر مشهد إعلامي يلخص جزءًا كبيرًا من الإشكال، عندما رُفعت ورقة بيضاء أمام الكاميرا وقيل إن توقيع زكية الدريوش عليها قادر على جعلها تساوي «أربعة المليار في الشهر أو أكثر»، في الوقت الذي وصف فيه مقدم الحلقة نفسه الورقة التي يحملها بأنها «ورقة خاوية». والمشكلة هنا ليست في جرأة السؤال أو في فتح ملفات الصيد البحري، بل في المسافة الهائلة بين ورقة بيضاء ورقم يصل إلى أربعين مليون درهم كل شهر.
أربعون مليون درهم شهريًا ليست وصفًا سياسيًا يمكن أن يختلف حوله اثنان، بل رقم مالي محدد، والرقم المحدد يحتاج إلى عناصر محددة تسمح بفحصه. عندما نتحدث عن نشاط مرتبط بالصيد البحري، فإن الوصول إلى قيمة مالية بهذا الحجم يمر عبر نوع النشاط والحصة والكميات والأسعار ومدة الاستغلال ورقم المعاملات والتكاليف والأجور والوقود والصيانة والرسوم وغيرها من العناصر. كما أن هناك فرقًا جوهريًا بين قيمة رخصة ورقم معاملات ومداخيل وأرباح صافية، ولا يمكن جمع هذه المفاهيم المختلفة تحت كلمة «الملايير» ثم تقديم النتيجة باعتبارها محسومة.
الورقة التي تظهر أمام الكاميرا قد تكون أداة للشرح، لكنها لا تتحول بذلك إلى وثيقة. الوثيقة لها مرجع ومصدر ومضمون ومعطيات يستطيع الصحافي والخبير والمواطن الرجوع إليها وفحصها. وهنا تحديدًا يصبح السؤال أكثر قوة من أي رد سياسي: إذا كانت «الأربعة مليارات» نتيجة حساب حقيقي، فإن عرض ذلك الحساب سيحسم الجدل، وإذا كانت مرتبطة برخصة محددة، فإن إظهار مرجعها ومعطياتها سيمنح الكلام أساسه. أما بقاء الرقم وحده في مواجهة ورقة وُصفت بأنها «خاوية»، فإنه يترك الانطباع أقوى من الإثبات.
من يطالب السياسي بتفسير أرقامه مطالب بالقاعدة نفسها
المفارقة أن الخطاب نفسه الذي قدم رقم «الأربعة مليارات» طالب الأحزاب السياسية في موضع آخر بألا تقدم للمغاربة أرقامًا ووعودًا مالية دون تفسير مصادرها وكيفية تمويلها، وهي قاعدة صحيحة ينبغي للصحافة أن تتمسك بها بقوة. فمن حق المواطن أن يعرف كيف حُسبت الوعود الانتخابية ومن أين ستأتي الأموال وما إذا كانت الأرقام واقعية أم مجرد عناوين للاستهلاك السياسي.
لكن قوة هذه القاعدة تكمن في كونها لا تتغير بتغير صاحب الرقم. فمن يطالب السياسي بإظهار مصدر حساباته، عليه أن يقبل بأن يطلب الجمهور منه الشيء نفسه عندما يقدم رقمًا يصل إلى أربعة مليارات سنتيم شهريًا. وإذا كانت الوثيقة ضرورية قبل الجزم باستفادة شخص من رخصة أو امتياز، فإن الحساب ضروري قبل الجزم بحجم الأموال التي ينتجها ذلك الامتياز. وهذا ليس دفاعًا عن الدريوش، وإنما دفاع عن قاعدة ينبغي أن تكون واحدة للجميع: من يقدم رقمًا يشرح حسابه، ومن يوجه اتهامًا يقدم دليله.
وهنا تصبح المسألة أكثر وضوحًا. ليست زكية الدريوش هي المطالبة بإثبات أن ورقة بيضاء لا تنتج أربعة مليارات شهريًا، بل صاحب الرقم هو المطالب بإثبات كيف وصل إليه. وليس من المنطقي أن يتحول غياب الدليل لدى صاحب الادعاء إلى عبء يقع على الشخص المستهدف به، فيصبح مطالبًا بنفي كل رقم وكل شبهة وكل رواية تظهر في الفضاء العام. الأصل أن البينة تقع على من يقدم الادعاء، وإلا تحولت السياسة إلى سوق مفتوحة للأرقام الكبيرة والاتهامات التي يصعب على أصحابها إثباتها ويصعب على المستهدفين بها محو أثرها.
عندما تتحول الخبرة التي كانت مطلوبة إلى مادة للهجوم
هذه هي النقطة التي تمنح القصة بعدها السياسي الحقيقي. خبرة الدريوش في الصيد البحري لم تكن سرًا، ومسارها لم يكن مجهولًا، وعلاقاتها بالمهنيين لم تظهر مع التزكية. بل إن هذه العناصر نفسها هي التي تجعل اسمًا من هذا النوع ذا قيمة في مرحلة الاستقطاب الحزبي، لأن الأحزاب لا تبحث فقط عن الأسماء، بل تبحث عن التجربة والمعرفة والحضور والقدرة على التواصل مع القطاعات الاجتماعية والاقتصادية.
وعندما تحسم شخصية من هذا النوع موقعها، تتغير المعادلة. الرصيد الذي كان يمكن أن يكون مكسبًا لو وجد داخل معسكر سياسي آخر يصبح رصيدًا يمتلكه المنافس، وهنا يمكن فهم لماذا تبدأ المعركة حول صورة ذلك الرصيد نفسه. الخبرة يمكن إعادة وصفها باعتبارها نفوذًا، والعلاقات المهنية يمكن وضعها في سياق المصالح، والمعرفة العميقة بقطاع اقتصادي يمكن ربطها بالامتيازات، ثم تأتي الأرقام الكبيرة لتمنح الصورة قوة أكبر في ذهن الجمهور.
لكن بين الوصف والدليل توجد مسافة لا يجوز للصحافة أن تختصرها. فإذا كانت هناك استفادة غير مشروعة، فإن إثباتها لا يحتاج إلى الإيحاء بل إلى وثيقة. وإذا كانت هناك أموال، فإن إثباتها يحتاج إلى حساب. وإذا كانت هناك رخص بعينها، فالمطلوب تحديدها. أما إعادة تفسير مسار مهني كامل بعد تغير الموقع السياسي لصاحبته، دون تقديم ما يكفي من المعطيات الجديدة، فإنها تجعل التوقيت نفسه جزءًا من القضية.
عندما تصبح المرأة هدفًا أسهل في المعركة السياسية
القضية هنا تتجاوز زكية الدريوش إلى سؤال يتعلق بطبيعة البيئة السياسية التي نريدها في المغرب. فمنذ سنوات نتحدث عن ضرورة تعزيز مشاركة النساء في المؤسسات والأحزاب ومواقع القرار، ونطالب بإفساح المجال أمام الكفاءات النسائية، لكننا لا نتوقف بما يكفي أمام الكلفة التي قد تدفعها امرأة عندما تتحول من مسؤولة أو خبيرة في مجالها إلى منافسة انتخابية حقيقية.
المرأة التي تدخل السياسة تعرف أنها ستواجه النقد، وهذا طبيعي، لكنها لا ينبغي أن تدخلها وهي تعرف أن سنوات بناء اسمها المهني قد تصبح مادة سهلة لإنتاج الشبهات كلما تغيرت المواقع. فهناك فرق بين محاسبة مسؤولة على واقعة محددة وبين وضع مسارها كله تحت ظلال الاتهام، وفرق بين سؤال صحفي يبحث عن الحقيقة وبين رقم ضخم يلقى في المجال العام ثم يصبح على المستهدفة به أن تطارد أثره في المواقع والمنصات والتعليقات.
وهذا المناخ قد يكون أحد الأسباب التي تجعل كفاءات نسائية كثيرة تفضل الابتعاد عن السياسة. فالمرأة التي بنت اسمها خلال سنوات قد تقبل خسارة انتخابات، وقد تقبل نقد برنامجها، وقد تقبل مواجهة خصومها، لكنها ستفكر طويلًا إذا كان ثمن دخولها السياسة أن تصبح سمعتها المهنية والعائلية جزءًا من المعركة. وإذا كنا نريد بالفعل نساء قويات في المؤسسات، فلا يكفي أن نفتح أمامهن باب الترشيح؛ ينبغي أيضًا أن نحمي معنى المنافسة نفسها، بحيث تكون المحاسبة صارمة، ولكن يكون الدليل صارمًا بالقدر نفسه.
الدريوش لم تتغير.. الذي تغير هو موقعها في معادلة المنافسة
في النهاية، يبقى مفتاح قراءة ما يجري بسيطًا. المسار المهني للدريوش سبق التزكية، وخبرتها في الصيد البحري سبقت الانتخابات، ومعرفتها بالقطاع وفاعليه ليست وليدة اليوم. الجديد أنها أصبحت منافسة انتخابية تحمل معها هذا الرصيد إلى جهة يمثل فيها البحر والصيد والاستثمار البحري ملفات اقتصادية واجتماعية أساسية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا تمتلك زكية الدريوش خبرة في الصيد البحري، فهذا معروف، وإنما لماذا أصبح هذا الرصيد نفسه يُقرأ اليوم بطريقة مختلفة بعد حسم موقعها السياسي. وما الذي استجد بعد التزكية حتى أصبحت ملفات قديمة أكثر حضورًا؟ وإذا كانت هناك معطيات جديدة فعلًا، فلماذا لا توضع مباشرة أمام الرأي العام بوثائقها وأرقامها بدل ترك النقاش يدور حول الإيحاءات؟
وهنا لا تحتاج الدريوش إلى أن يقدمها المقال في صورة من تطلب البراءة، لأن الأصل أن من يتهم هو من يقدم الحجة. كما لا يحتاج القارئ إلى دفعه نحو الشك في حصيلة لم يقدم النص بشأنها ما يبرر ذلك. المطلوب ببساطة هو إعادة عبء الإثبات إلى مكانه الطبيعي: عند صاحب الادعاء.
بين زمن الاستقطاب وزمن الهجوم.. الأسئلة التي لم تجد جوابًا
ما الذي تغير بين اللحظة التي كانت فيها خبرة الدريوش في ملفات البحر عنصرًا يمنح اسمها قيمة في حسابات الاستقطاب، واللحظة التي أصبحت فيها هذه الخبرة نفسها جزءًا من خطاب الاتهام؟ لماذا تصاعدت الانتقادات بعد حسم التزكية؟ وما المعطيات الجديدة التي ظهرت بعد ذلك ولم تكن معروفة قبله؟ وإذا كان رقم «الأربعة مليارات» دقيقًا، فأين الحساب الذي أنتجه؟ وإذا كانت هناك رخص وامتيازات محددة، فأين الوثائق التي تسمح للرأي العام بفحصها؟
هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تبقى بعد قراءة المقال، لأن الإجابة عنها لا تحتاج إلى مزيد من الضجيج، وإنما إلى ما هو أبسط وأقوى: الوثيقة والرقم والدليل. وإذا ظهرت هذه العناصر، يستطيع المواطن أن يحكم بنفسه، وإذا لم تظهر، فلن يجعل تكرار الاتهام منه حقيقة.
فالسياسة قد تغير المواقع، وقد تجعل حليف الأمس منافس اليوم، وقد تحول اسمًا كان مطلوبًا في زمن الاستقطاب إلى هدف في زمن الانتخابات، لكن الصحافة لا ينبغي أن تغير معيارها بتغير تلك المواقع. وما كان يحتاج إلى دليل قبل التزكية يحتاج إلى الدليل نفسه بعدها.
وفي النهاية، تبقى المفارقة أقوى من كل الخطابات: خبرة كانت مطلوبة قبل حسم المواقع أصبحت بعد حسمها موضع استهداف، واسم كان يمكن أن يمثل مكسبًا في معادلة الاستقطاب أصبح منافسًا ينبغي إضعاف أثره. أما «الأربعة مليارات»، فمهما كان وقعها قويًا، ستظل رقمًا ينتظر الحساب، والورقة البيضاء ستظل ورقة بيضاء إلى أن توضع أمام المغاربة الوثيقة التي تقول غير ذلك.




