في ظل تصاعد التحركات الدبلوماسية والأمنية الإقليمية، تُكثف الجزائر من جهودها لإعادة تشكيل خريطة تحالفات ما يُعرف بـ”البوليساريو”، عبر توزيع قياداتها على “دويلات صديقة” لتفادي تصنيفها كتنظيم إرهابي من قبل الولايات المتحدة، وهو التصنيف الذي يُهدد بإسقاط مشروعها المزعوم في الصحراء المغربية، هذه الخطوة، التي تأتي بعد خمسة عقود من الإنفاق الجزائري الهائل لدعم الانفصاليين، تفرض على المملكة المغربية تعبئة شاملة لأجهزته الأمنية والعسكرية والدبلوماسية، لمواجهة أي تداعيات محتملة والحفاظ على ثوابته الوطنية.
فالجزائر، التي ظلت لـ50 سنة الراعي الرئيسي للبوليساريو، تدرك أن تصنيف واشنطن المرتقب للتنظيم سيُحولها من قضية مقدَّسة في الخطاب الإعلامي الجزائري إلى عبءٍ سياسي وقانوني، من هنا، تسعى إلى حماية قيادات الانفصاليين عبر منحهم إقامات في دول تعاني من ضغوط اقتصادية أو سياسية، في محاولة لإضفاء شرعية مزيفة على مشروعها المتهاوي، هذا المسار يُظهر إصراراً جزائرياً على استثمار الأزمات الإقليمية والدولية لتحقيق مكاسب جيوسياسية، حتى لو تطلب الأمر دعم جماعات تعتمد على التمويل غير المشروع وخطف المساعدات الإنسانية، وفق تقارير أممية سابقة.
وفي مواجهة هذه التحديات، تظل المملكة المغربية واثقة من حقها التاريخي والقانوني في صحرائها، بدعم من اعترافات دولية متتالية بسيادتها، وأبرزها الموقف الأمريكي التاريخي عبر “اعتراف ديسمبر 2020 المتجدد سنة 2025″، موقف فرنسا التاريخي، موقف إسرائيل وغيرها من الدول الصديقة، جميعهم أقروا بالمحفل الأممي بمختلف لجانه أن مشروع الحكم الذاتي يمثل حلّاً واقعياً وفريداً تحت السيادة المغربية. لكن هذه الثقة لا تعني التهاون في اليقظة، فالسياق الحالي يستدعي تعزيز الرقابة الاستخباراتية والتعاون الإقليمي من خلال تكثيف تبادل المعلومات مع الشركاء الاستراتيجيين، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية، لرصد تحركات قيادات البوليساريو والجهات الداعمة والمانحة لهم، مراقبة المسارات المالية المشبوهة المرتبطة بتمويل الحملات الدعائية الانفصالية، وكما سبق لملك البلاد حفظه الله ان دعا إلى ضرورة تفعيل “الدبلوماسية البرلمانية” لدحض الرواية الجزائرية في المحافل الدولية، عبر توثيق انتهاكات البوليساريو واستغلالها للمدنيين، كما دعا جلالته الى تعزيز التحالفات مع الدول الافريقية والعربية لتضييق الخناق على أي اعترافات جديدة بالكيان الوهمي، من جهة أخرى الوضع الراهن يستوجب تعزيز أنظمة المراقبة الحدودية المتطورة مثل الجدار الأمني الذكي لمواجهة أي اختراقات محتملة علاوة على تنظيم مناورات عسكرية مشتركة مع حلفاء استراتيجيين، كالولايات المتحدة الأمريكية ودول الناتو، لإرسال رسائل ردعية واضحة، وفي نفس المسار ينبغي إبراز مسارات تنزيل النموذج التنموي المغربي في الأقاليم الجنوبية، والذي حوّل الأقاليم الجنوبية إلى قطب اقتصادي سيسهم لا محالة في استقرار المغرب الكبير…
في الأخير لا ينبغي أن تمر هذه التحركات الجزائرية دون ردّ استراتيجي مغربي مُحكم، يجمع بين الحكمة الدبلوماسية والحزم الأمني، فالصحراء المغربية ليست مجرد تراب، بل هي جزء من الهوية الوطنية والتاريخ، وفي وقت تُعيد فيه الجزائر إنتاج أزمات الماضي، تثبت المملكة المغربية مرةً أخرى أن مشروعها يقوم على الشرعية والاستثمار في المستقبل، فاليقظة اليوم، ليست خيارا، بل مسؤولية تستوجب الاستعداد للتحديات القادمة لجعلها الدرع الحقيقي الذي يحمي المكتسبات ويحبط أي محاولات لزعزعة الاستقرار الوطني.




