مع دخول الحملة الانتخابية يومها الخامس، تواصل زكية الدريوش، وكيلة اللائحة الجهوية لحزب التجمع الوطني للأحرار بجهة سوس ماسة، تثبيت حضورها في المشهد السياسي الجهوي، مستندة إلى مسار مهني وإداري وحكومي يمتد لنحو أربعة عقود داخل واحد من أبرز القطاعات الاقتصادية والاستراتيجية بالمغرب.
ومنذ انطلاق الحملة الانتخابية في العاشر من شتنبر الجاري، برز اسم الدريوش ضمن الأسماء النسائية المشاركة في المنافسة السياسية بسوس ماسة، ليس فقط بالنظر إلى موقعها ككاتبة دولة مكلفة بالصيد البحري وعضوة في المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، ولكن أيضاً بحكم الخبرة التي راكمتها في الإدارة المغربية والهيئات البحرية الدولية.
وتخوض الدريوش أول اختبار انتخابي مباشر في مسارها، بعدما قضت سنوات طويلة في مواقع المسؤولية التقنية والإدارية والدبلوماسية، قبل انتقالها إلى الواجهة الحكومية والسياسية. ويمنحها هذا المسار موقعاً خاصاً داخل الحملة، باعتبارها وجهاً يجمع بين معرفة الملفات القطاعية والقدرة على التفاوض والتدبير والدفاع عن السياسات العمومية.
حضور سياسي يستند إلى خبرة طويلة
لا تقدم زكية الدريوش نفسها خلال هذه الانتخابات باعتبارها اسماً حزبياً ظهر مع بداية الحملة، بل كمسؤولة راكمت تجربة ممتدة داخل قطاع الصيد البحري، وتدرجت في عدد من المناصب قبل وصولها إلى الحكومة والمكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار.
فقد التحقت الدريوش بقطاع الصيد البحري سنة 1988، بعد مسار علمي قادها إلى دراسة البيوتكنولوجيا والصيدلة الصناعية والبيوفارماسي. وبدأت عملها إطاراً بمديرية صناعات الصيد البحري، قبل أن تتولى مسؤوليات مرتبطة بالتقييس والمراقبة التقنية ومراقبة المنتجات البحرية والجودة والسلامة الصحية.
وخلال مسارها المهني، شاركت في عدد من الأوراش المرتبطة بتأهيل وحدات معالجة وتثمين منتجات البحر، وملاءمة القطاع مع متطلبات الأسواق الخارجية، وإعداد المعايير الخاصة بالمنتجات البحرية، وتطوير أنظمة الجودة وتحليل المخاطر ومراقبة سلامة المنتوجات.
وانتقلت سنة 2005 إلى إدارة صناعات الصيد البحري، ثم تولت بين سنتي 2008 و2013 إدارة الصيد البحري وتربية الأحياء المائية، قبل تعيينها، في يناير 2013، كاتبة عامة لقطاع الصيد البحري، وهو المنصب الذي شغلته لأكثر من عقد.
وفي أكتوبر 2024، انتقلت من الإدارة المركزية إلى المسؤولية الحكومية، بعد تعيينها كاتبة للدولة لدى وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، مكلفة بالصيد البحري.
هذا الانتقال لم يكن انفصالاً عن مسارها السابق، بل شكل امتداداً لتجربة طويلة داخل القطاع، مع إضافة مسؤوليات سياسية وتواصلية جديدة تتصل بالدفاع عن القرارات الحكومية أمام البرلمان والمهنيين والرأي العام.
من الإدارة إلى صناديق الاقتراع
تواجه الدريوش اليوم امتحاناً مختلفاً عن الاختبارات التي عرفتها داخل الإدارة والمؤسسات الدولية. فبعد سنوات من الاشتغال على الملفات التقنية والاستراتيجية، بات عليها تحويل رصيدها المهني إلى خطاب سياسي قادر على الوصول إلى المواطنين وكسب ثقتهم.
وتقود الدريوش اللائحة الجهوية لحزب التجمع الوطني للأحرار بسوس ماسة، في خطوة وضعتها مباشرة في قلب المنافسة الانتخابية بالجهة، وجعلت حضورها محط متابعة بالنظر إلى وزنها الحكومي وخبرتها القطاعية.
ويعكس اختيارها على رأس اللائحة رغبة حزب التجمع الوطني للأحرار في الدفع باسم نسائي يحمل تجربة في الإدارة العليا والتدبير الحكومي، في جهة تتميز بثقل اقتصادي وسياسي كبير، وتحتضن قطاعات استراتيجية في مقدمتها الصيد البحري والفلاحة والسياحة والصناعات الغذائية والخدمات.
وفي خامس أيام الحملة، يظهر أن الدريوش تراهن على الجمع بين لغة الأرقام والمعطيات وبين التواصل السياسي المباشر، من خلال تقديم مسارها باعتباره دليلاً على قدرتها على فهم الملفات المعقدة ومواكبة انتظارات الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين.
سوس ماسة في قلب المسار المهني للدريوش
يحمل ترشح زكية الدريوش في جهة سوس ماسة دلالات تتجاوز الحسابات الانتخابية المباشرة، بالنظر إلى الارتباط التاريخي للجهة بقطاع الصيد البحري والصناعات المرتبطة به، فضلاً عن المكانة التي تحتلها أكادير باعتبارها أحد أبرز الأقطاب البحرية والاقتصادية بالمملكة.
وترتبط الدريوش بعلاقة مهنية قديمة مع المنطقة، إذ ساهمت خلال مسارها الإداري في عدد من الأوراش المرتبطة بتطوير ومراقبة وتثمين المنتجات البحرية. كما ساهمت في إحداث مختبر للمساعدة التقنية بأكادير خلال تسعينيات القرن الماضي.
وكانت أكادير أيضاً منصة لإطلاق استراتيجية “أليوتيس” سنة 2009، في مرحلة كانت فيها الدريوش على رأس مديرية الصيد البحري وتربية الأحياء المائية، قبل أن تواصل مواكبة تنزيل هذه الاستراتيجية وتطورها من مواقع مسؤولية مختلفة.
وتمنح هذه الخلفية لترشحها بسوس ماسة بعداً قطاعياً واقتصادياً، خصوصاً أن الجهة تضم شبكة واسعة من المهنيين والمقاولات والتعاونيات والوحدات الصناعية العاملة في الصيد البحري وتثمين المنتجات البحرية.
كما تواجه الجهة مجموعة من التحديات المرتبطة باستدامة الثروة السمكية، وتطوير الصناعات البحرية، وتحسين القيمة المضافة، وتشجيع الاستثمار، ودعم التعاونيات، وتحديث أسواق السمك، وتوفير فرص شغل جديدة للشباب والنساء.
وتحاول الدريوش خلال الحملة تقديم خبرتها في هذه الملفات باعتبارها أحد عناصر القوة في عرضها الانتخابي، مع التركيز على إمكانية نقل معرفة الإدارة والقطاع إلى المؤسسة التشريعية، والمساهمة في الدفاع عن قضايا الجهة ومصالح مهنييها وساكنتها.
بوجدور وطرفاية في خطاب الحصيلة
خلال تحركاتها التواصلية الأخيرة، استحضرت الدريوش التحولات التي عرفتها مجموعة من المناطق البحرية المغربية، ومن بينها بوجدور وطرفاية، باعتبارها أمثلة على الدينامية التي شهدها قطاع الصيد البحري خلال السنوات الماضية.
وفي بوجدور، قالت الدريوش إن المدينة أصبحت تجسد التطور الذي عرفه القطاع، مستحضرة زيارتها إلى المرسى سنة 2013 رفقة عزيز أخنوش، الذي كان يتولى حينها مسؤولية القطاع.
وأوضحت أن الحوض كان في تلك الفترة شبه خال من الاستثمارات والوحدات الإنتاجية، قبل أن يتغير المشهد خلال السنوات اللاحقة مع إحداث وحدات للتجميد والتصبير وتسجيل استثمارات جديدة مرتبطة بتثمين المنتجات البحرية.
واعتبرت أن هذه التحولات تعكس قدرة قطاع الصيد البحري على دعم التنمية المحلية وخلق فرص الشغل وتحريك الدورة الاقتصادية، خصوصاً عندما تقترن عمليات الصيد بأنشطة التثمين والتصنيع والتسويق.
كما سلطت الضوء على الدور الذي باتت تؤديه المرأة الصحراوية داخل القطاع، من خلال التعاونيات النسائية العاملة في عدد من الأنشطة، وفي مقدمتها تثمين الطحالب والمنتجات البحرية.
وأكدت التزامها بمواصلة مواكبة هذه التعاونيات، بما يساعدها على تطوير الإنتاج وتحسين التسويق وتعزيز اندماج النساء في الحياة الاقتصادية.
أما في طرفاية، فقد أكدت الدريوش أن ميناء المدينة عرف قفزة في نشاطه وتزايداً في حركة السفن، معتبرة أن هذه الدينامية تفرض التفكير في تعزيز الطاقة الاستيعابية للميناء ومواكبة الطلب المتزايد، ولا سيما من طرف سفن الصيد في أعالي البحار.
ويتزامن هذا التطور مع تجدد مطالب مهنية وسياسية محلية بإحداث مندوبية مستقلة للصيد البحري بطرفاية، تنهي ارتباط المنطقة إدارياً بمندوبية العيون، وتوفر تأطيراً يتلاءم مع حجم النشاط البحري واتساع المجال التابع للإقليم.
كما تأتي هذه المطالب في ظل ارتفاع مفرغات الصيد الساحلي والتقليدي، واستمرار نشاط مراكب الجر وصيد السردين والصيد التقليدي، إلى جانب الاهتمام المتزايد بميناء طرفاية من طرف بعض السفن والشركات العاملة في القطاع.
وتستند هذه الدينامية كذلك إلى مشاريع اقتصادية ولوجستية جديدة، من بينها مشروع منطقة صناعية ولوجستية تمتد على مساحة تناهز 38 هكتاراً، ويُنتظر أن تساهم في استقطاب الاستثمار ودعم سلاسل الإنتاج والتوزيع وخلق فرص شغل.
الاستدامة في صلب الخطاب القطاعي
إلى جانب الحديث عن الاستثمار والبنيات التحتية وتطوير الموانئ، تضع الدريوش استدامة الموارد البحرية في صلب خطابها، مؤكدة أن تدبير الثروة السمكية يجب أن يستند إلى المعطيات العلمية والتوصيات الصادرة عن المؤسسات المختصة.
وفي هذا السياق، دافعت عن اللجوء إلى الراحة البيولوجية عندما تستدعي وضعية المخزون السمكي ذلك، موضحة أن الهدف من هذا الإجراء يتمثل في حماية الموارد البحرية وضمان استمرار نشاط الصيد على المدى البعيد.
وترى الدريوش أن تطوير القطاع لا يمكن أن يقوم فقط على رفع حجم المفرغات أو زيادة عدد السفن والوحدات الصناعية، بل يحتاج أيضاً إلى تحقيق توازن بين الاستغلال الاقتصادي للثروة السمكية والمحافظة عليها لفائدة الأجيال المقبلة.
ويرتبط هذا التوجه بتجربتها الطويلة في إعداد مخططات تدبير عدد من المصايد، بما فيها الأسماك السطحية والأخطبوط والروبيان، إلى جانب مساهمتها في ملفات تحديث أسطول الصيد الساحلي والتقليدي، ومراقبة السفن عبر الأقمار الاصطناعية، ومحاربة الصيد غير القانوني وغير المصرح به وغير المنظم.
كما يتقاطع مع الأوراش التي يعرفها القطاع في مجال الرقمنة، خصوصاً ما يتعلق بتحديث منظومة تسويق المنتجات البحرية، ورقمنة المزادات، وتحسين حكامة أسواق السمك، وتطوير شهادات المصطادات والمساطر المرتبطة بالتصدير.
تجربة دولية تعزز موقعها السياسي
لا يتوقف رصيد زكية الدريوش عند حدود الإدارة الوطنية، بل يمتد إلى عدد من الهيئات والمفاوضات الدولية المرتبطة بتدبير الموارد البحرية والدفاع عن المصالح الاقتصادية للمغرب.
فقد تولت رئاسة الوفد المغربي داخل اللجنة الدولية للمحافظة على أسماك التونة في المحيط الأطلسي، وشاركت في الدفاع عن مصالح المملكة داخل هذه الهيئة التي تضطلع بدور أساسي في تدبير مصايد التونة والأنواع الشبيهة بها في المحيط الأطلسي والبحار المتاخمة له.
كما شغلت منصب النائبة الأولى لرئيس اللجنة خلال مرحلة سابقة، قبل انتخابها في نونبر 2025 رئيسة للهيئة، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب منذ تأسيس اللجنة.
وشاركت الدريوش كذلك في مفاوضات واتفاقيات الصيد البحري مع عدد من الشركاء الدوليين، وفي مقدمتهم الاتحاد الأوروبي واليابان وروسيا، وهي ملفات تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والتجارية مع القضايا المرتبطة باستدامة الموارد البحرية وولوج الأسواق.
وامتد حضورها إلى الهيئة العامة لمصايد أسماك البحر الأبيض المتوسط التابعة لمنظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، فضلاً عن توليها سنة 2013 رئاسة اتفاقية المحافظة على الحيتانيات في البحر الأسود والبحر الأبيض المتوسط والمنطقة الأطلسية المتاخمة.
ويمنح هذا المسار الدولي لترشحها بعداً إضافياً، إذ تدخل المنافسة الانتخابية برصيد يجمع بين المعرفة التقنية بالقطاع والقدرة على التفاوض والدفاع عن المصالح الوطنية داخل المؤسسات متعددة الأطراف.
امرأة انتقلت من البحر إلى السياسة
تكمن خصوصية تجربة زكية الدريوش في أنها لم تبدأ مسارها من العمل الحزبي، ثم تنتقل إلى تدبير قطاع حكومي، بل سلكت طريقاً معاكساً، بدأ من التكوين العلمي والعمل التقني، مروراً بالإدارة وصناعة القرار والتفاوض الدولي، وصولاً إلى المسؤولية الحكومية والسياسية.
ومن إطار تقني سنة 1988 إلى رئيسة مصلحة وقسم، ثم مديرة ومديرة للصيد البحري وتربية الأحياء المائية، وبعد ذلك كاتبة عامة للقطاع وكاتبة دولة مكلفة بالصيد البحري، بنت الدريوش مسارها بالتدرج داخل المؤسسات.
ويضعها ترشحها الحالي أمام تحدي تحويل هذا الرصيد إلى ثقة انتخابية، من خلال إقناع ناخبي سوس ماسة بقدرتها على تمثيل الجهة والدفاع عن قضاياها داخل البرلمان.
فالانتخابات لا تقوم فقط على الخبرة التقنية أو السيرة المهنية، بل تتطلب كذلك القرب من المواطنين والإنصات إلى انتظاراتهم وتقديم أجوبة واضحة عن قضايا التشغيل والاستثمار والخدمات الاجتماعية والتنمية المجالية.
وتدرك الدريوش أن دخولها إلى السياسة الانتخابية يفرض عليها الانتقال من لغة التقارير والملفات القطاعية إلى خطاب قريب من المواطنين، يربط السياسات العمومية بانعكاساتها المباشرة على حياتهم اليومية.
خامس أيام الحملة واختبار تثبيت الحضور
بعد مرور أربعة أيام كاملة على انطلاق الحملة الانتخابية، ودخولها يومها الخامس، يبدو أن زكية الدريوش تسير نحو تثبيت موقعها بين أبرز الفاعلين السياسيين في سوس ماسة.
ويستند هذا الحضور إلى عناصر متعددة، من بينها موقعها الحكومي وعضويتها في المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار وقيادتها للائحة الجهوية، إلى جانب تجربتها الطويلة في قطاع يرتبط بصورة مباشرة باقتصاد الجهة ومصالح شريحة واسعة من مهنييها وساكنتها.
غير أن الحملة الانتخابية تظل اختباراً مفتوحاً، إذ سيكون على الدريوش تحويل خبرتها إلى التزامات قابلة للفهم والتقييم، وتوضيح ما يمكن أن تضيفه للجهة من داخل البرلمان، سواء على مستوى الدفاع عن الاستثمار أو دعم التشغيل أو مواكبة التعاونيات أو تطوير الاقتصاد البحري وتعزيز الاستدامة.
كما سيكون عليها توسيع خطابها ليشمل مختلف القضايا التي تهم ساكنة سوس ماسة، وعدم حصر حضورها في قطاع الصيد البحري وحده، رغم ما يمثله هذا القطاع من أهمية استراتيجية للجهة.
وفي خامس أيام الحملة، تكرس زكية الدريوش صورتها باعتبارها واحدة من أبرز الوجوه النسائية المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، وفاعلة سياسية تحمل معها تجربة إدارية ودبلوماسية يصعب فصلها عن التحولات التي عرفها قطاع الصيد البحري بالمغرب.
وبين تجربتها في الموانئ والإدارة المركزية وطاولات المفاوضات الدولية، وبين جولاتها الانتخابية الحالية، تدخل الدريوش مرحلة جديدة من مسارها، عنوانها البحث عن ثقة الناخبين والانتقال من الشرعية التقنية والحكومية إلى الشرعية التي تمنحها صناديق الاقتراع.
وإذا كانت نتائج الانتخابات ستحدد الوزن السياسي والانتخابي لهذا المسار، فإن الأيام الأولى من الحملة أظهرت أن زكية الدريوش أصبحت اسماً حاضراً بقوة في المعادلة السياسية بسوس ماسة، ومرشحة تسعى إلى حجز موقعها بين كبار الفاعلين السياسيين بالجهة، اعتماداً على خبرة طويلة، ومسؤولية حكومية، ورصيد دولي، وخطاب يضع التنمية والاستثمار واستدامة الموارد في مقدمة أولوياته.




