اقتربت دورة أكتوبر لمجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة، فيما لا يزال سؤال صفقة التواصل المؤسساتي، التي تبلغ قيمتها 193 مليوناً و200 ألف سنتيم، مطروحاً بقوة، أين حصيلة هذه الصفقة، وأين أثرها في علاقة المجلس بالصحافة الجهوية، وأين اللقاءات الإعلامية والتواصل المنتظم مع المنابر، وهي خدمات توجد في صلب موضوع الصفقة، خصوصاً عندما نعلم أن الجهة سبق أن أسندت في أكتوبر من السنة الماضية صفقة مرتبطة بالمجال نفسه إلى شركة أخرى، قبل أن ينتهي التعاقد معها بقرار من المجلس، في ظروف ما تزال في حاجة إلى توضيحات دقيقة بشأن أسباب الفسخ ومبرراته والآثار المالية والقانونية التي ترتبت أو قد تترتب عنه.
إلى حدود فاتح أكتوبر، تؤكد هيئات تحرير عدد من المنابر المحلية والجهوية، بحسب إفاداتها، أنها لم تتلق أي تواصل في إطار هذه الصفقة، مرت دورة يوليوز، ويستعد المجلس لدورة أكتوبر، فيما يبقى السؤال قائماً حول ما تغير فعلياً في التواصل المؤسساتي للجهة منذ انطلاق الصفقة الجديدة، وما إذا كانت الصحافة المحلية والجهوية قد استفادت فعلاً من الخدمات التي رُصد لها هذا الاعتماد المالي.
وتُظهر معطيات طلب العروض رقم 12/RTTA/2026 اختيار الشركة نائلة الصفقة في يونيو الماضي، بمبلغ يعادل 193 مليوناً و200 ألف سنتيم، وبعد أكثر من ثلاثة أشهر على انطلاق الفترة المرتبطة بهذه الصفقة، يقول عدد من المقاولين في الإعلام المحلي إنهم لم يلمسوا تحولاً واضحاً في مستوى التواصل، فيما مرت دورة يوليوز دون أن يظهر، بالنسبة لهذه المنابر، ذلك الحضور الإعلامي الذي يفترض أن تشكل العلاقات الصحفية والتواصل مع وسائل الإعلام أحد مكوناته الأساسية.
ويزداد الملف تعقيداً عند العودة إلى الصفقة السابقة، فالشركة التي كانت قد حصلت عليها شرعت، بحسب المعطيات المتوفرة، في التواصل مع عدد من المنابر الإعلامية منذ الفترة الأولى للتعاقد، قبل أن يتشبث مجلس الجهة بإنهاء العقد معها، وهو قرار يفرض اليوم أسئلة واضحة حول الأسباب الدقيقة التي استند إليها المجلس، وما أوجه التقصير التي سجلها، وما الخدمات التي اعتبرها غير منجزة أو غير مطابقة للمطلوب، وما الوضع القانوني الحالي لهذا النزاع، خصوصاً في ظل المعطيات المتعلقة بلجوء الشركة السابقة إلى القضاء الإداري وما قد ينتج عن ذلك من آثار مالية على الجهة.
والفسخ هنا لا يتعلق فقط بعلاقة تعاقدية بين مجلس الجهة وشركة خاصة، بل يفتح سؤالاً آخر يتعلق بما خسرته الصحافة الجهوية خلال الفترة الفاصلة بين إنهاء الصفقة السابقة وإطلاق الصفقة الجديدة، فمنذ إسناد العقد السابق في أكتوبر، ثم إنهائه، ثم المرور إلى مسطرة أخرى وإسناد الصفقة الحالية، مرت سنة كان يفترض خلالها أن تستفيد وسائل الإعلام المحلية والجهوية من خدمات العلاقات الصحفية والتنسيق والتواصل وتسهيل الوصول إلى المعلومات ومواكبة أنشطة المجلس، وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً حول ما إذا كان قرار الفسخ وما تلاه من إجراءات قد أدى عملياً إلى ضياع سنة كاملة من خدمات التواصل التي كان يفترض أن تستفيد منها الصحافة، وإذا لم تضِع هذه الخدمات فأين هي حصيلتها، وإذا ضاعت بالفعل فمن قيّم أثر هذا التوقف، وكيف عالج المجلس الفراغ الذي ترتب عنه.
لكن مجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة الذي يرأسه عمر مورو والذي بدوره كان مشغولا بالحملة الانتخابية لحزبه خلال الشهر الماضي يبدو أنها فضلت العودة إلى متعهدها القديم، الذي فاز بالصفقة مرتين سابقتين، وألغت التعاقد مع الشركة الجديدة لتعود إليه وتقدمها له. فما الأسباب التفصيلية التي اعتمدها المجلس لفسخ تعاقد مع شركة بدأت بالفعل بناء صلات مع الصحافة؟ وما أوجه التقصير التي سجلها..
ثم تعود الأسئلة بقوة بعد إسناد الصفقة الجديدة إلى متعهد سبق له الاشتغال مع الجهة في المجال نفسه، فما الذي تغير بعد العودة إليه، وما القيمة المضافة التي قدمها، وهل جرى تنظيم لقاءات صحفية أو ترتيب مقابلات مع المسؤولين أو تسهيل عمل الصحفيين والفرق التقنية في الميدان، وهي كلها عناصر يمكن من خلالها قياس الأثر الحقيقي للصفقة بعيداً عن الاكتفاء بوجود عقد ومبلغ مالي على الورق.
وتشير المعطيات المتوفرة بشأن التعاقدات السابقة إلى استفادة الشركة نفسها من صفقة للعلاقات الصحفية سنة 2022 بقيمة مليون و794 ألف درهم، ومن صفقة أخرى سنة 2024 بقيمة مليونين و880 ألف درهم، وبإضافة مبلغ صفقة 2026 يصل مجموع قيم الإسناد الواردة في هذه المعطيات إلى ستة ملايين و606 آلاف درهم، وهو مبلغ يجعل من سؤال الحصيلة والتقييم سؤالاً أساسياً، ليس لأن فوز شركة بعدة صفقات يشكل في حد ذاته دليلاً على مخالفة، وإنما لأن تكرار التعاقد والفسخ مع متعهد جديد له خبرة كبيرة في المجال والعودة للمعهد القديم، يجعل من المشروع التساؤل عن النتائج المحققة، والمؤشرات التي اعتمدت لقياس الأداء، والتقارير التي أنجزت لتقييم الخدمات السابقة قبل الدخول في تعاقد جديد.
هذا التسلسل يضع أمام مجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة برئاسة عمر مورو سؤال التقييم، ما حصيلة كل تعاقد سابق، وكيف استفاد المجلس من نتائج ذلك التقييم عند إعداد حاجيات الصفقة الجديدة.
العارفون بمجال الصفقات العمومية وتدبير الجماعات الترابية سيدركون حساسية هذا المسار، شركة تفوز بصفقة أولى تتجاوز قيمتها مليون درهم، ثم تعود لتحصل على صفقة ثانية تفوق مليوني درهم، ثم تتقدم شركة أخرى في الصفقة الموالية وتحصل عليها، قبل أن ينتهي التعاقد معها، ثم يعود المجلس إلى المتعهد السابق ويسند إليه الصفقة من جديد، وهنا لا يحتاج الأمر إلى إطلاق أحكام مسبقة، لأن الوثائق ومحاضر التتبع وتقارير التنفيذ وأوامر الخدمة ومحاضر الاستلام والأداء قادرة وحدها على تقديم الأجوبة الضرورية.
ويمتد السؤال كذلك إلى مسؤولية التتبع داخل المجلس، من راقب تنفيذ الصفقة، ومن يتحمل مسؤولية التأكد من إنجاز الخدمات، ومتى تمت عمليات التقييم، وما الملاحظات التي جرى تسجيلها، وهي أسئلة تصبح أكثر أهمية عندما يتعلق الأمر بخدمة يصعب قياس أثرها دون مؤشرات دقيقة ووثائق تثبت ما تم إنجازه فعلياً.
أما السؤال الأكثر صعوبة فيتعلق بمسار الشركة في الصفقات العمومية، إذ تشير المعطيات المتوفرة إلى أن النسبة الاكبر تتجاوز 90 في المئة من الصفقات التي حصلت عليها يرتبط بمجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة، بثلاث صفقات يبلغ مجموعها ستة ملايين و606 آلاف درهم.
وتحتاج العلاقة بين مجلس الجهة والصحافة الجهوية إلى معلومات منتظمة، ومواعيد واضحة، وإمكانية فعلية لتغطية المشاريع والبرامج ومساءلة أصحاب القرار، وحين تُخصص صفقة بهذا الحجم لتعزيز تلك العلاقة فإن حصيلتها تصبح بدورها موضوعاً للمساءلة، من مرحلة تحديد الحاجيات واختيار المتعهد، مروراً بالتنفيذ والتتبع، وصولاً إلى المصادقة على الخدمات وأداء المستحقات، لأن الأمر في النهاية يتعلق بأموال عمومية وبخدمات يفترض أن يكون أثرها قابلاً للقياس والاطلاع.
وقبيل دورة أكتوبر، يبقى السؤال موجهاً إلى مجلس جهة طنجة تطوان الحسيمة، ما الذي تحقق فعلياً من صفقة التواصل المؤسساتي، وما الخدمات التي تم إنجازها منذ انطلاقها، وأين يمكن للصحافة والمواطنين الاطلاع على حصيلتها، وما الذي يبرر إنفاق 193 مليوناً و200 ألف سنتيم إذا كانت وسائل إعلام جهوية تقول، إلى حدود نهاية شتنبر، إنها لم تلمس بعد أثراً واضحاً لهذه الصفقة.
يتبع بالتفاصيل والأرقام…

