مصطفى عزيز : مبادرة مسجد باريس لتكييف الخطاب الديني يمثل انحيازا مرجعيا وتغييبا مقصودا للنموذج المغربي
في اتصال هاتفي أجرته معه جريدة “المغربي” من مكتبها بطنجة، أدلى الخبير البارز في الشؤون الثقافية والدبلوماسية، الدكتور مصطفى عزيز، بتصريح حصري تناول فيه بالتحليل والنقد المبادرة التي أطلقها عميد المسجد الكبير بباريس تحت عنوان “مجموعة التفكير حول تكييف الخطاب الديني”، والتي أصدرت أعمالها في 10 فبراير من السنة الجارية، وفيما يلي نص الحوار
السيد عزيز، كيف تقرأ هذه المبادرة الجزائرية لتأصيل الخطاب الديني الإسلامي في الغرب؟
دعني أكون واضحا من البداية، لا يمكن لأي عاقل أن يعترض على الاجتهاد الفكري الهادف إلى تأصيل حضور المسلمين في المجتمعات الغربية وتوضيح سماحة الإسلام وقيمه الكونية، هذا مطلب حضاري ملح في زمن باتت فيه الخطابات الدينية أسيرة للتشنج والغموض، لكن المشكلة ليست في الفكرة، بل في المنهج والمرجعية والتمثيلية التي انطلقت منها هذه المبادرة بالذات.
ما الذي تعتبره مشكلة في تكوين اللجان العلمية والدينية لهذه المجموعة؟
هنا مربط الفرس، عندما تتصفحون تشكيلة اللجنة الدينية، تجدون أئمة من فرنسا وأوروبا، ومرجعيات من الأزهر الشريف وجامعة الزيتونة، هذا جميل ومطلوب، لكن السؤال المحير، أين جامعة القرويين بفاس؟ أين المجلس العلمي الأعلى للمملكة المغربية؟ أين ممثلو إمارة المؤمنين؟ هذا الغياب ليس بريئا، ولا يمكن تفسيره بالنسيان، إنه تغييب ثم إقصاء منهجي وانحياز مرجعي خطير لمؤسسة دينية عريقة تحتكر، من خلال تحالفاتها الإقليمية، حق الاجتهاد في الشأن الديني للمسلمين في الغرب.
لكن البعض قد يقول إن المبادرة مدنية وليست رسمية، فلماذا الإصرار على تمثيل المملكة المغرب فيها؟
هذا تحديدا ما أسميه الاستفزاز الهادئ، المسجد الكبير بباريس ليس مؤسسة هامشية، وهو يعرف جيدا أن الجالية المغربية تشكل النسبة الأكبر من مسلمي فرنسا، كيف تطرح مشروعا حول الإسلام والغرب دون أن تستشير ممثلي هذه الجالية ومؤسساتها الدينية؟ ثم دعني أسألك، إذا كانت المبادرة قد حرصت على تمثيل متعدد التيارات في لجنة المجتمع المدني، أفلم كان أولى بها أن تضم ممثلين عن المرجعية المغربية التي تحظى بقبول شعبي ورسمي واسع في أوساط الجاليات المسلمة بأوروبا؟
هل تعتقد أن هناك أبعادا جيوسياسية خلف هذا التغييب؟
بكل تأكيد، ما يحدث هو صراع ناعم على قيادة الخطاب الديني الإسلامي في الغرب، هناك محاولة ممنهجة لفرض مرجعيات بعينها على حساب أخرى ذات امتداد مغاربي وأندلسي عريق، فالمملكة المغربية، تحت قيادة أمير المؤمنين محمد السادس، لا تطلب من أحد أن يمنحها الشرعية، فهي تملك شرعيتها التاريخية والمؤسسية، لكنها لا يمكن أن تقبل بتهميش دورها أو مصادرة ريادتها الروحية، فإمارة المؤمنين كما يعلم الجميع، نموذج متفرد في الجمع بين ثوابت الدين ومقتضيات العصر، وقد أثبتت نجاحها في صيانة الهوية الإسلامية مع الانفتاح على قيم الحداثة.
ما الذي ينبغي فعله برأيك لتصحيح هذا الخلل؟
أولا على القائمين على هذه المبادرة أن يتواضعوا معرفيا ويعترفوا بفضل السابقين، لا يمكن لاجتهاد معاصر أن ينطلق من فراغ مؤسسي متجاهلا أربعة عشر قرنا من التراث الفقهي، ثانيا، استشراف فقهاء القرويين أصبح ضرورة ملحة، جامعة القرويين، أقدم جامعة في العالم الإسلامي والعالم، ليست مجرد معلمة تاريخية، بل هي مستودع حي للنوازل الفقهية والمخطوطات التي عالجت على مدى قرون قضايا الأقليات المسلمة والأحكام في دار غير الإسلام، ثالثا وأخيرا، المدرسة المغربية في الفقه المالكي تمتلك تراكما منهجيا فريدا في الجمع بين التمسك بالثوابت ومراعاة المقاصد والمآلات، وهذا هو الجوهر الذي تحتاجه الإجابة عن إشكالات المسلمين في الغرب.
كلمة أخيرة للمسؤولين عن هذه المبادرة؟
أقول لهم، إصلاح الخطاب الديني لا يحتمل الانحياز، كما لا يقبل الاحتكار. آن الأوان أن تلتفتوا إلى فاس، عاصمة الثقافة الإسلامية، وأن تستشرفوا علماءها الذين يحملون مشعل الاجتهاد الرصين، نحن منفتحون على كل المبادرات الجادة التي تخدم الإسلام والمسلمين، لكن لا يمكن السكوت عن محاولات طمس النموذج المغربي وإقصائه، إمارة المؤمنين، بامتدادها البيّعاني وبصيغتها المغربية الجامعة، ستبقى مرجعية لا يمكن تجاوزها في معادلة الإسلام والغرب، مهما تكاثفت حولها محاولات التجاهل والنسيان.
حاوره أنوار قورية
دكتور في الاعلام والسياسات الدولية




