أحدث الظهور الأخير لرئيس مقاطعة طنجة المدينة، عبد الحميد أبرشان، المحسوب على حزب الاتحاد الدستوري، في اللقاء الانتخابي لحزب الأصالة والمعاصرة بطنجة، زوبعة سياسية أعادت اسمه، إلى جانب حسن بلخيضر، إلى دائرة الحديث عن احتمال العزل من المناصب السياسية.
الصور المتداولة من اللقاء لم تترك مجالاً واسعاً للتأويل بشأن طبيعة تموقع أبرشان في هذه الانتخابات، خصوصاً أنه لم يحضر منفرداً، بل ظهر إلى جانب عدد من المقربين منه، من بينهم حسن بلخيضر، في تجمع عرف حضور فاطمة الزهراء المنصوري ويونس السكوري، إلى جانب عدد من القيادات الوطنية والجهوية والمحلية لحزب الأصالة والمعاصرة.

وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن حضور أبرشان لم يكن مجرد مشاركة بروتوكولية في لقاء حزبي، بل رافقه تحرك لشبكته السياسية والتنظيمية، وسط حديث عن مساهمته في الحشد والتعبئة لإنجاح اللقاء.
لفهم خلفيات الجدل، لا بد من العودة نحو سنتين إلى الوراء، حين كان التجمع الوطني للأحرار متمسكاً برئاسة مقاطعة طنجة المدينة، ويعتبر نفسه الأحق بها، قبل أن تتغير الحسابات في المراحل الأخيرة.
وحسب المعطيات التي جرى تداولها آنذاك، انتهى الأمر بتراجع الحزب عن تقديم عبد الواحد بولعيش مرشحاً في مواجهة أبرشان، رغم حظوظ الوافدة في الفوز بها.
وبذلك وجد أبرشان نفسه المرشح الوحيد لرئاسة المقاطعة، ليصل إلى هذا الموقع دون مواجهة مباشرة مع مرشح من حزب «الحمامة».
ووفق الكواليس التي رافقت تلك المرحلة، لم يكن تراجع الأحرار مجرد انسحاب انتخابي عادي، بل جاء في سياق تفاهم سياسي سمح لأبرشان بالوصول إلى رئاسة مقاطعة طنجة المدينة دون منافسة من الحزب.
وهنا تحديداً تبرز حساسية موقفه الحالي.
فالرجل الذي وصل إلى رئاسة المقاطعة في سياق لم يضع فيه التجمع الوطني للأحرار مرشحاً في مواجهته وفق توافقات سياسية شديدة الحساسية، اختار، في أول استحقاق تشريعي لاحق، أن يقف بثقله إلى جانب المنافس المباشر لوكيل لائحة الحزب نفسه.
وتزداد الصورة وضوحاً عند استحضار طبيعة العلاقة التي جمعت أبرشان بعبد الواحد بولعيش خلال الفترة الماضية.
فالعلاقة بين الرجلين لم تكن علاقة مواجهة أو خصومة سياسية، بل طبعتها حالة من التقارب والتكامل داخل مقاطعة طنجة المدينة.
ووصل الأمر إلى إشادة بولعيش علناً بأبرشان خلال عدد من دورات مجلس المقاطعة، حيث تحدث عنه أمام الأعضاء بعبارات إيجابية عكست طبيعة العلاقة بين الطرفين.

لذلك، فإن ظهور أبرشان اليوم وهو يتحرك إلى جانب عبد اللطيف الغلبزوري لا يبدو مجرد انتقال انتخابي بسيط من جهة إلى أخرى، بل يمثل تحولاً واضحاً مقارنة بعلاقته السابقة مع التجمع الوطني للأحرار، الذي اختار في مرحلة سابقة دعمه سياسياً بعد فقدانه رئاسة مجلس العمالة، وبقاءه دون منصب سياسي وازن في المنطقة.
أبرشان، الذي سبق أن وجد في موقف التجمع الوطني للأحرار عاملاً ساهم في وصوله إلى رئاسة مقاطعة طنجة المدينة، اختار هذه المرة أن يضع ثقله خلف عبد اللطيف الغلبزوري، منافس عبد الواحد بولعيش في انتخابات طنجة أصيلة.
وهنا لم يعد الأمر متعلقاً فقط برئيس مقاطعة قرر مساندة مرشح من حزب آخر، بل برئيس مقاطعة سبق أن استفاد من تفاهم سياسي مع «الأحرار»، قبل أن يقرر لاحقاً دعم منافسهم المباشر.
فأبرشان راكم، خلال سنوات، شبكة انتخابية وتنظيمية كانت تتحرك تحت راية الاتحاد الدستوري، وهو ما يجعل انتقاله إلى دعم الغلبزوري أكثر أهمية من مجرد حضور في تجمع انتخابي.
وحسب المعطيات المتوفرة، فإن أبرشان لم يكتف بالدعم السياسي المعلن، بل تحرك إلى جانب عدد من الأسماء القريبة منه، ووضع جزءاً مهماً من شبكته الانتخابية في خدمة حملة «الجرار».
وتشير مصادر متطابقة إلى أن هذه الشبكة هي نفسها التي تحركت خلال انتخابات 2021 تحت راية الاتحاد الدستوري.
واليوم، أصبحت أجزاء من هذه القوة الانتخابية والتنظيمية جزءاً من التعبئة لفائدة عبد اللطيف الغلبزوري.
وهو ما يفتح سؤالاً حول الحجم الحقيقي للقاعدة التي يتحرك بها وكيل لائحة الأصالة والمعاصرة في طنجة: أين تنتهي ماكينة الحزب وأين تبدأ ماكينة أبرشان؟
مصادر مطلعة تقول إن دعم أبرشان جاء بعد اتصالات متكررة من الغلبزوري، وإن الأخير كان يطلب منه المساندة بشكل متواصل، قبل أن يقرر أبرشان في النهاية النزول بثقله إلى جانبه.
ووفق الرواية نفسها، لم يتوقف الدعم عند الأشخاص والحضور والاتصالات، بل امتد إلى توفير إمكانيات للحملة، وسط حديث من المصادر عن دعم مالي أيضاً.
وإذا كان أبرشان قد وضع جزءاً من رصيده التنظيمي والانتخابي في خدمة «الجرار»، وإذا كانت شبكته تتحرك ميدانياً لصالح الغلبزوري، فإن موقع رئيس مقاطعة طنجة المدينة داخل هذه الحملة يصبح عنصراً مهماً لفهم ميزان القوة داخلها.
بعد فقدانه رئاسة مجلس العمالة في الانتخابات الماضية، كان أبرشان يبحث عن إعادة ترتيب موقعه السياسي واسترجاع جزء من حضوره، وجاء وصوله إلى رئاسة مقاطعة طنجة المدينة في سياق تفاهم شارك فيه حزب «الحمامة».
وخلال تلك المرحلة، بدا أن التقارب مع التجمع الوطني للأحرار يشكل جزءاً من إعادة تموقع أبرشان داخل الخريطة السياسية المحلية.
لكن الصورة تغيرت لاحقاً.
ووفق المعطيات المتداولة، يبدو أن التحاق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة أعاد ترتيب بعض الحسابات لدى أبرشان، وفتح أمامه قراءة مختلفة لموقع «البام» ومستقبله السياسي، غير أن التطورات الأخيرة توحي، في المقابل، بأنه قد يكون فقد جزءاً من موقعه داخل حسابات وتوازنات سياسية أخرى وفي سياسة المواقف.
ويبدو اليوم أننا مام رئيس مقاطعة بنى جزءاً مهماً من مساره تحت راية الاتحاد الدستوري، ووصل إلى رئاسة طنجة المدينة في سياق سياسي تراجع فيه التجمع الوطني للأحرار عن تقديم منافس له، قبل أن يختار لاحقاً النزول بثقله خلف مرشح «الجرار» في مواجهة مرشح «الحمامة».
وفي انتظار ما ستسفر عنه تحركات القيادة السياسية لحزب الاتحاد الدستوري، التي كلفت، بحسب المعطيات المتوفرة، مفوضين قضائيين بمتابعة تحركات أعضاء الحزب بطنجة، تبدو مرحلة ما بعد الانتخابات التشريعية مفتوحة على فصل سياسي جديد، قد تنتقل فيه المواجهة من صراع المقاعد والصناديق إلى صراع المواقع والمناصب وإجراءات العزل.
وبذلك، لا تبدو انتخابات طنجة هذه المرة مجرد سباق على المقاعد، بقدر ما تكشف عن بداية «ميركاتو سياسي» يعيد رسم التحالفات والولاءات داخل المشهد المحلي.





