شهدت العلاقات الثنائية بين المملكة المغربية والجمهورية الفرنسية منعطفاً تاريخياً وحاسماً، تُوّج بزيارة الدولة الرسمية التي قام بها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى العاصمة الرباط. وتأتي هذه الخطوة الاستراتيجية لتجسد عمق الإرادة السياسية العليا لقائدي البلدين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس وفخامة الرئيس الفرنسي، بهدف تدشين مرحلة غير مسبوقة في سجل العلاقات التاريخية والمشتركة، والانتقال بها نحو أفق يتجاوز الأطر التقليدية للتعاون.
تأسيساً على مخرجات الدورة الخامسة عشرة للاجتماع رفيع المستوى المغربي–الفرنسي، اتفق الجانبان على صياغة إطار عمل متكامل يحمل أبعاد “الشراكة الاستثنائية“. وتعكس هذه الشراكة قدرة البلدين على الابتكار وصياغة حلول مرنة في مواجهة التحديات الجيوسياسية الراهنة، والتحولات المتسارعة التي تشهدها الساحتان الإقليمية والدولية، بالاعتماد على رصيد متين من الروابط التاريخية والإنسانية الدائمة.
موقف فرنسي حاسم: يشكل الدعم الصريح والثابت من قبل الجمهورية الفرنسية لمغربية الصحراء، والاعتراف بمبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد وجدي، حجر الزاوية الذي تنبثق منه هذه الحقبة الجديدة من التعاون الاستراتيجي بين البلدين.
برز الموقف الفرنسي الثابت والواضح تجاه قضية الصحراء المغربية كأهم مرتكزات هذا المنعطف الدبلوماسي الجديد. وفي هذا السياق، أكد الرئيس إيمانويل ماكرون، في رسالته الموجهة إلى جلالة الملك محمد السادس وخلال اللقاءات الرسمية، دعم باريس المطلق والمستدام لسيادة المملكة على كامل ترابها، مجدداً التأكيد على أن مبادرة الحكم الذاتي المغربية هي الأساس الأكثر جدية وواقعية لتسوية هذا النزاع الإقليمي، وهو موقف أكدت الدبلوماسية الفرنسية ثباته وعدم قابليته للتغيير.
تتويجاً للمباحثات الرسمية، جرى التوقيع على 22 اتفاقية استراتيجية شملت مجالات حيوية متعددة (اقتصادية، تعليمية، ثقافية، وتقنية) بقيمة استثمارية إجمالية تجاوزت 10 مليارات يورو. وتهدف هذه الاتفاقيات إلى مأسسة الرؤية الطموحة للبلدين وتحويلها إلى مشاريع ملموسة على أرض الواقع، وتتوزع أبرز هذه القطاعات كالتالي:
النقل والمواصلات: التزام فرنسي مغربي مشترك بتنفيذ وتوسيع مشروع الخط فائق السرعة (TGV) ليربط بين القنيطرة ومراكش، كركيزة للبنية التحتية الوطنية الشاملة.
الطاقة المستدامة والبيئة: تبادل الخبرات في هندسة التربة، وتطوير البنيات التحتية المينائية والهيدروليكية، وتعزيز مشاريع الطاقات المتجددة لمواجهة التحديات المناخية.
التعليم والبحث العلمي: إطلاق إعلان نوايا مشترك لتطوير وتوسيع تدريس اللغة العربية، التاريخ، والجغرافيا داخل شبكة مؤسسات التعليم الفرنسي بالمغرب، تعزيزاً للهوية والمشترك الثقافي والأكاديمي.
الزراعة والصيد البحري: دعم الفلاحة العصرية، تطوير العلوم البيطرية، وتوسيع نطاق البحث العلمي في علوم الصيد البحري وتربية الأحياء المائية لضمان الأمن الغذائي المستدام.
وعلى الصعيدين الأمني والدبلوماسي، وقّع الطرفان رسالة نوايا تهدف إلى تنسيق المواقف في مجالات السياسة الخارجية، لاسيما تعزيز الدبلوماسية والسياسة الخارجية النسوية وتطوير الخدمات البريدية واللوجستية. كما شدد الجانبان على التزامهما المشترك بالعمل سوياً لترسيخ قيم السلام والاستقرار في منطقة الساحل والصحراء، والحد من التهديدات الأمنية في مختلف أنحاء القارة الأفريقية.
أكد التقرير التحليلي للقاءات الدبلوماسية أن آفاق التعاون المستقبلي لن تقتصر على القطاعات التقليدية، بل ستمتد لتشمل الصناعات السينمائية، الثقافة، والتحول الرقمي والابتكار التكنولوجي. إن هذا المسار يمثل خياراً واعداً وطوعياً ينطلق من الثقة والقدرة المشتركة على تحقيق تطلعات التنمية والازدهار للشعبين الصديقين.




